عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

537

اللباب في علوم الكتاب

وثالثها : صدهم عن سبيل اللّه ، وهو كونهم مانعين عن دين محمد - عليه الصّلاة والسّلام - . قوله : « بطرا ورئاء » منصوبان على المفعول له ، ويجوز أن يكونا مصدرين في موضع نصب على الحال ، من فاعل : « خرجوا » ، أي : خرجوا بطرين ومرائين ، و « رئاء » مصدر مضاف لمفعوله . قوله « ويصدّون » : يجوز أن يكون مستأنفا ، وأن يكون عطفا على : « بطرا ورئاء » وحذف المفعول للدّلالة عليه . فإن قيل : « يصدّون » فعل مضارع ، وعطف الفعل على الاسم غير حسن . فذكر الواحديّ في الجواب ثلاثة أوجه : الأول : أن « يصدّون » بمعنى : صادين ، أي : بطرين ومرائين وصادين . والثاني : أن يكون قوله « بطرا ورئاء » حالان على تأويل : مبطرين ومرائين ، ويكون قوله « ويصدون » أي : وصادين . الثالث : أن يكون قوله « بطرا ورئاء » بمنزلة : يبطرون ويراؤون . قال ابن الخطيب : « إن شيئا من هذه الوجوه لا يشفي الغليل ؛ لأنّه تارة يقيم الفعل مقام الاسم وأخرى يقيم الاسم مقام الفعل ليصح له كون الكلمة معطوفة على جنسها . وكان من الواجب عليه أن يذكر السبب الذي لأجله عبّر عن الأولين بالمصدر ، وعن الثالث بالفعل . قال : إنّ الشيخ عبد القاهر الجرجاني ، ذكر أنّ الاسم يدلّ على التّمكين والاستمرار ، والفعل على التجدد والحدوث ، مثاله في الاسم قوله تعالى : وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ [ الكهف : 18 ] وذلك يقتضي كون تلك الحالة ثابتة راسخة ، ومثال الفعل قوله تعالى : قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ [ يونس : 31 ] وذلك يدلّ على أنه تعالى يوصل الرّزق إليهم ساعة فساعة . وإذا عرفت ذلك فنقول : إنّ أبا جهل ورهطه كانوا مجبولين على البطر ، والمفاخرة والعجب وأما صدهم عن سبيل اللّه فإنما حصل في الزّمان الذي ادّعى محمد - عليه الصّلاة والسّلام - فيه النبوة ، فلهذا ذكر البطر والرئاء بصيغة الاسم ، وذكر الصد بصيغة الفعل » . واعلم أنّ الذي قاله ابن الخطيب لا يخدش فيما أجاب به الواحديّ ؛ لأنّ الواحدي إنّما أراد من حيث الصّناعة ، لا من حيث المعنى . ثم قال : وَاللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ أي : أنه عالم بما في دواخل القلوب ، وذلك كالتّهديد والزّجر عن الرئاء . قوله تعالى : وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ الآية .